منوعات

مريول فضيلة… القصة الكاملة والحقيقة

قميص فضيلة أو «مريول فضيلة»، كما يطلق عليه باللهجة التونسية، هو عبارة عن قميص نسائي قطني أبيض، ومطرز بخطوط عمودية تكون عادة ذات لون واحد، إما بنفسجي أو أزرق أو أحمر، ويتميز بأكمام طويلة وبضعة أزرار تحت الرقبة، وقد كان اللباس الأساسي للتونسيات في ثلاثينات القرن الماضي، ثم سرعان ما قفز نحو أجساد عارضات الموضة العالمية في السنوات الأخيرة، بعد أن عمل عدد من مصممي الأزياء التونسيين على دمجه ضمن اللباس العصري من بينهم المصمم العالمي التونسي الراحل عز الدين علية.

قصة مريول فضيلة

لا يكاد يغيب عن رفوف دواليب سيدات تونس… هو “لباس فائق الجمال” مثلما وصفه مصمم الأزياء العالمي الراحل عز الدين علية. لم ينل الزمن وتغييرات الموضة واختلاف الأذواق من “مريول فضيلة” (قميص فضيلة)، طيلة عشرات العقود.

“مريول فضيلة” المميّز بلونه الأبيض المطرّز بخطوط عمودية زرقاء وحمراء وبنفسجية وخضراء أحيانا، تحوّل من مجرّد لباس للمرأة التونسية إلى جزء من هويتها ورمز ثقافي للبلاد، حسب أهل الاختصاص.

وبمناسبة اليوم الوطني لللباس التقليدي في 16 من مارس من كل سنة، ترتدي بعض النسوة في تونس هذا القميص التقليدي. لكن من هي فضيلة التي ارتبط اسمها بالقميص وما قصة هذا اللباس؟

تختلف الروايات والدلالة واحدة

في الحقيقة تختلف الروايات بشأن ميلاد تسمية “مريول فضيلة” إذ لا توجد حقيقة موثقة عن هذا الموضوع، لكن أغلب الروايات تجمع على أن التسمية جاءت بسبب معركة شرف ونضال بطلتها سيدة تونسية.
يقول المؤرّخ التونسي محمد ذويب، في حديث لبوابة تونس، إنه في القرن الثامن عشر وأثناء الحكم العثماني للإيالة التونسية، اختطف جنود الحاكم العثماني فتاةً تونسية من قرية “شارن” من ولاية الكاف في الشمال الغربي للبلاد، وأخذوها إلى بلاط السلطان في اسطنبول.
ويضيف ذويب أن تلك الفتاة تسمى فضيلة الشارني وكانت فائقة الجمال أراد السلطان العثماني الاختلاء بها لكنها استلّت خنجرًا من تحت ثيابها وأصابت السلطان بجرح غائر في وجهه فأمر بإعدامها لتكون عبرة لكل من يتجرأ على عصيانه وعدم الانصياع إلى نزواته.
كان يومًا مشهودًا يوم قرر العثمانيون إعدام فضيلة الشارني في قريتها وأمام أهلها في الكاف، بتهمة الدفاع عن شرفها. يومها جرّدها الجنود من ثيابها الفوقية وأعدموها وقد كانت ترتدي قميصًا أبيض تزينه خطوط عمودية.

وكحركة احتجاجية وتضامنية في آن واحد قرّرت نسوة الكاف حياكة أو شراء قميص مشابه لما كانت ترتديه فضيلة، حسب محدثنا محمد ذويب.

في رواية ثانية، يقول مؤرخون إن قصة “مريول فضيلة” تعود إلى بداية القرن العشرين أثناء الاستعمار الفرنسي لتونس، وكانت بطلتها الفتاة الكافية فضيلة الشارني الجميلة ذات القوام الرشيق. جلبت فضيلة انتباه جنرال فرنسي فأرسل جنده لإحضارها غصبًا عنها وعن أهلها، لكن بمجرد محاولة الجندي الفرنسي السيطرة عليها لاختطافها، استبسلت في الدفاع عن نفسها وغرزت أظافرها في وجهه مخلفة له ندوبًا وفرّت هاربة. 

وتتحدث أغلب الروايات عن أن الجندي الفرنسي أطلق النار على الفتاة التونسية عندما فرّت في حادثة اهتز لها المجتمع التونسي فأصبحت فضيلة رمزا للمرأة التونسية المناضلة ضد اعتداءات الاستعمار الفرنسي. وعلى غرار ما نقلته الرواية السابقة فإن سيدات الكاف تضامنّ مع الفتاة فضيلة واشترين القميص الذي كانت ترتديه فانتشرت قصتها بين النسوة في البلاد وأصبح القميص لباسًا رسميا لسيدات تونس.

أما الرواية الثالثة عن مريول فضيلة، مختلفة عن الروايتين السابقتين، إذ ربط بعض المؤرخين “مريول فضيلة” بالفنانة التونسية الراحلة فضيلة ختمي التي كانت نجمة الغناء في تونس مطلع القرن العشرين بفضلل صوتها الجميل واهتمامها بقضايا المرأة زمن الاستعمار.

يقال إن السيدات تأثرن بالفنانة الراحلة وأصبحن يقلدنها في كل شيء، لاسيما لباسها المميّز.

مع رواج الروايات السابقة كثيرا بين المؤرخين، تحصلت بوابة تونس عن رواية مختلفة تبدو أقرب إلى الواقع. رئيسة جمعية “بالتونسي” فاتن عبد الكافي المهتمة بالتراث والتي حاولت إعادة إحياء “مريول فضيلة” قالت إن مصممًا يهوديًا كان مغرما بالفنانة فضيلة ختمي في ثلاثينيات القرن الماضي صمم لها قميصا مميزا خاصا  بها هو اليوم يسمى قميص فضيلة وكان سببا في رواج هذا اللباس الجميل بين سيدات تونس.

حسب رئيس جمعية “بالتونسي”، فإن فكرة “مريول فضيلة” وُلدت في تونس لكنها تطوّرت في فرنسا عندما افتتح مصممها اليهودي مصنعا في مدينة مرسيليا ونشر القميص التونسي هناك وارتداه مشاهير كثر مثل الممثلتين كلاوديا كاردينال وكاترين دونوف.

وحسب فاتن عبد الكافي دائما، فإن مستثمرا تونسيًا أراد استعادة القميص التونسي بعد وفاة صاحبه اليهودي الفرنسي واشترى المصنع وحوّله إلى مدينة قصر هلال بالساحل التونسي وتونسه واستحوذ على ملكية الفكرة إلى اليوم.

هوية المرأة التونسية

على اختلاف الروايات التي توثق قصة “مريول فضيلة” فإن هذا القميص القطني ميّز صورة المرأة التونسية زمن الاستعمار خاصة، فكانت ترتديه في منزلها وفي الحفلات الغنائية والمظاهرات النسوية ضد المستعمر وفي الاجتماعات السياسية. وكانت تلبسه مع “السفساري”، وهو لباس أبيض تتلحف به نساء تونس سابقًا.

بعد الاستقلال اقتصر ارتداء “مريول فضيلة” على المناطق الريفية المحافظة وأصبح ظهوره مناسبتيًا خلال الأفراح، إذ ترتديه العروس أيام زفافها، لكن النساء كبار السن هن اللواتي يرتدين القميص باستمرار إلى جانب بقية القطع التقليدية مثل “الملية” و”العجار” و”البخنوق” و”السفساري”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى